عبد الملك الجويني
46
نهاية المطلب في دراية المذهب
11469 - ونحن نختم هذا الفصل بأمر يتعلق بالمسلمين : قال الأئمة : من ذكر الله تعالى بسوء ، وكان ذلك مما يوجب التكفير بالإجماع ، فالذي صدر منه رِدّة ، فإذا تاب ، قُبلت توبته . 11475 - ولو سبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بما هو قذفٌ صريح ، كفر باتفاق الأصحاب ، قال الشيخ أبو بكر الفارسي في كتاب الإجماع : لو تاب ، لم يسقط القتل عنه ؛ فإنّ حدّ من يسبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم القتلُ ، فكما لا يسقط حدّ القذف بالتوبة ، فكذلك لا يسقط القتل الواجب بسب النبي صلى الله عليه وسلم بالتوبة ، وادعى فيه الإجماع ، ووافقه الشيخ أبو بكر القفال . وقال الأستاذ أبو إسحاق : كفر بالسبّ ، وتعرض للسيف تعرض المرتد ، فإذا تاب ، سقط القتل . وقال الشيخ أبو بكر الصيدلاني : إذا سبّ الرسول صلى الله عليه وسلم ، استوجب القتل ، والقتلُ للردّة لا للسبّ ، فإن تاب زال القتل الذي هو موجَب الردّة ، وجُلد ثمانين ، هذه طُرق الأصحاب في ذلك . 11471 - والغرض لا ينكشف في هذا إلا بمباحثةٍ وغوصٍ فنقول : من سبّ محصناً وله ورثة قاموا بطلب الحدّ ، ولو لم يكن للمقذوف ورثة ، فهل نقول : يرث المسلمون الحدّ ، وينوب الإمام عنهم ، واشتهر القولان في أن من قُتل وليس له وارث خاص ، فهل يجب القصاص على قاتله ؟ ذهب بعض الأصحاب إلى أن نفي القصاص خارج على أن في المسلمين صبياناً ومجانين وغُيّباً ، والعقوباتُ على الدّرء ، ولعل الأصح أن القولين مخرجان على قاعدة أخرى ، وهي أن المال مصروف إلى جهة المصالح ؛ إذ لا سبيل إلى تعطيلها ، وأَوْلى الجهات ما يعم الكافّة ، وهي المصالح ، وأما القصاص فلا ضرورة في إقامته ؛ حيث لا يطلبه معين ، وينشأ من هذا أن الإمام لو أقامه ، لكان بين أن يتحتّم عليه الاقتصاص ؛ فيلتحق بالحدود ، وبين أن يتخير ويردّ الأمر إلى الاستصواب والاجتهاد ، وهذا بعيد عن قياس القصاص .